روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
437
عرائس البيان في حقائق القرآن
مدبرين عنه إلى شيء من دونه ، حتى وصلوا إلى حقيقة الاستقامة في القلوب مع اللّه ، ولا يقدر أن يلتفت إلى شيء سوى اللّه . قال الشيخ أبو عبد اللّه بن خفيف : طالب عباده بالتوبة ، وهو الرجوع إليه من حيث ذهبوا عنه ، والنصوح في التوبة : الصدق فيها وترك ما منه ، تاب سرّا وعلنا قولا وفكرة . وقال الواسطي : التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثرا من المعصية سرّا وجهرا . وقال : من كانت توبته نصوحا لم يبال كيف أمسى وأصبح . قوله تعالى : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ : لا يخزي النبي أمته بذل الحجاب ، وسوء الحساب ، والتغيير ، والعتاب ، بل يكون برضاهم ، ويعطيهم مأمولهم ، ويقبل شفاعتهم لأهل الكبائر وللهالكين ، ولا يردّ عليهم ما يسألون منه من نجاة الخلق ، ويلبسهم أنوار قربه ووصاله ، ويدخلهم في حجال أنسه ، ورياض قدسه . قوله تعالى : نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ : يستزيدون منه نور القرب بقوله : يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا ، أي : من نورك حتى نفنى بك ، ونبقى معك أبد الآبدين . قال بعضهم في قوله : لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ، لا يردّ شفاعته في أمته ، والذين آمنوا لا ترد شفاعتهم في إخوانهم وأقربائهم . وقال ابن عطاء في قوله تعالى : يَسْعى نُورُهُمْ إنما هي أنوار نور التوحيد ، ونور المعرفة ، ونور الحقيقة ، يسعى بهذه الأنوار إلى محل القرار . وقال بعضهم في قوله : رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا : لا تقطعنا بك عنك ، وكن دليلنا منك عليك حتى تتم لنا الأنوار ، فإن تمام النور بإتمام المنور له . وقال سهل : لا يقسط الافتقار إلى اللّه عن المؤمنين في الدنيا والآخرة ، وهم في العقبى أشد افتقار إليه ، وإن كانوا في دار العز والغنى ؛ لشوقهم إلى لقائه يقولون ربنا أتمم لنا نورنا . [ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 11 إلى 12 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 ) قوله تعالى : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا : ظهر فيه نور الفعل ، ثم ظهر في نور الفعل نور الصفة ، وظهر في نور الصفة نور الذات ، وكان بنور الذات والصفات حيّا موصوفا